بقلم : إسراء بني ياسين
وكالة سباي سات الاخباري - عمان - ماذا يعني أن يصل شاب أردني إلى الثلاثين، وربما الأربعين، وهو ما يزال يبحث عن أول فرصة حقيقية في سوق العمل؟
لا نتحدث هنا عن حالة فردية، ولا عن شاب لم يحاول أو لم يتعلم. نتحدث عن جيل كامل درس، وتخرج، وتدرب، واكتسب المهارات، وطرق أبواب المؤسسات، ثم وجد نفسه بعد سنوات أمام السؤال ذاته: أين فرصتي؟
ربما آن الأوان أن نتوقف عن النظر إلى البطالة باعتبارها رقمًا في تقرير اقتصادي، وأن نراها باعتبارها قضية تنموية تمس مستقبل المجتمع كله.
المشكلة في الأردن ليست أن الفرص معدومة بالكامل، وإنما أن الفرص ليست موزعة بالقدر الكافي على امتداد الجغرافيا الأردنية.
قد يصل الاستثمار إلى المحافظة، لكن يبقى مركز النشاط الاقتصادي في المدينة أو في مناطق محددة منها، بينما تبقى الألوية والمناطق الطرفية خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يكفي أن نقول إن مشروعًا ما أقيم في محافظة، إذا كان الشاب في أحد ألوية تلك المحافظة لا يستطيع الوصول إليه أو الاستمرار في العمل فيه؟
التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاريع التي تُعلن، وإنما بعدد الناس الذين تغيرت حياتهم بسببها.
ولا يمكن أن نستمر في مطالبة الشباب بالتدريب ثم نتركهم يبحثون عن فرصة لا تتناسب مع تخصصاتهم أو لا توجد في مناطقهم أصلًا.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة تدريب الشباب على انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرص في أماكن وجود الشباب.
كل لواء في الأردن لديه خصوصيته وموارده وإمكاناته. هناك مناطق تملك مقومات سياحية، وأخرى زراعية، وأخرى صناعية، وأخرى يمكن أن تكون بيئة مناسبة للأعمال الرقمية والخدمات الحديثة.
السؤال ليس: ماذا ينقص هذه المناطق؟
السؤال الأهم: كيف نستثمر ما لديها؟
لماذا لا تكون لكل لواء خريطة استثمارية وتنموية واضحة؟
ما المشاريع التي يمكن أن تنشأ فيه؟
ما الوظائف التي يمكن أن تنتج عنها؟
وما المهارات التي يحتاجها أبناؤه؟
وكيف يمكن للقطاع الخاص أن يجد في هذه المناطق بيئة جاذبة للاستثمار؟
هذه الأسئلة، إذا تحولت إلى سياسات عملية، قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات البرامج المنفصلة التي تنتهي بانتهاء تمويلها.
والأخطر من البطالة نفسها هو بطالة الانتظار.
أن يقضي الشاب سنوات من عمره ينتظر وظيفة حكومية، أو فرصة في شركة، أو منحة لمشروع، أو برنامجًا تدريبيًا جديدًا، بينما تتآكل قدرته الاقتصادية وتتأخر خطواته في الحياة.
وهنا لا نخسر راتب شاب فقط، بل نخسر استهلاكه، وإنتاجه، ومشروعه المحتمل، واستقلال أسرته، ومشاركته في الاقتصاد المحلي.
لذلك، فإن معالجة البطالة يجب ألا تكون مسؤولية وزارة واحدة.
هي مسؤولية اقتصادية وتنموية وتعليمية وإدارية وسياسية واجتماعية، تحتاج إلى تنسيق حقيقي بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات والإدارات المحلية والمجتمع المدني.
نحتاج إلى قياس مختلف للنجاح.
ليس المهم كم شابًا دخل دورة تدريبية، بل كم شابًا خرج منها إلى وظيفة أو مشروع مستدام.
وليس المهم كم مشروعًا أُعلن عنه، بل كم مشروعًا بقي قائمًا وخلق فرص عمل بعد سنوات.
وليس المهم أن تصل التنمية إلى مركز المحافظة، بل أن يشعر المواطن في أبعد لواء أن له نصيبًا حقيقيًا منها.
الأردن لا تنقصه العقول، ولا تنقصه الأيدي العاملة، ولا تنقصه الموارد والإمكانات.
ما ينقصنا في كثير من الأحيان هو ربط هذه العناصر ببعضها بطريقة أكثر عدالة وذكاء.
شبابنا لا يريدون أن تُمنح لهم الحياة.
هم يريدون فرصة عادلة ليصنعوها بأنفسهم.
ولهذا، ربما حان الوقت لأن نغيّر السؤال من:
"كيف نحل مشكلة بطالة الشباب؟"
إلى سؤال أكثر جرأة:
"لماذا ما زلنا نطلب من الشباب أن يبحثوا عن التنمية، بدل أن نذهب بالتنمية إليهم؟"
فالأردن الذي نريده ليس الأردن الذي تتركز فيه الفرص في نقاط محددة، بل الأردن الذي يشعر فيه الشاب، أينما كان موقعه، أن مستقبله يمكن أن يبدأ من بلدته ولوائه ومحافظته.
حين تصل الفرصة إلى الشباب… تبدأ التنمية الحقيقية.
إسراء بني ياسين
كاتبة وباحثة في الشأن التنموي

