بقلم :عمر الدريني
وكالة سباي سات الاخباري - عمان - المواطن الأردني بين اليوم والغد: حين يصبح المستقبل مسؤولية يومية
لم يعد المستقبل فكرة مؤجلة إلى سنوات قادمة؛ بل أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر في قرار الأسرة بشأن تعليم أبنائها، وفي اختيار الشاب لتخصصه، وفي حسابات الموظف، وفي أحلام من يبحث عن عمل.
لقد تغير العالم من حولنا بسرعة، وأصبح الإنسان مطالبًا بأن يخطط للغد بينما لا يزال منشغلًا بتحديات اليوم.
وهنا يبرز سؤال مهم:
كيف يستطيع الأردني أن يبني مستقبله، وهو مطالب في الوقت نفسه بإدارة حاضره؟
*عندما يصبح التخطيط ضرورة*
في الماضي، كان كثير من الناس يضعون خططهم على مدى سنوات طويلة بثقة أكبر. أما اليوم، فأصبحت الظروف أكثر سرعة في التغير، وأصبح التخطيط بحاجة إلى مرونة مستمرة.
فالوظيفة قد تتغير، والتخصصات قد تتبدل قيمتها، والتكنولوجيا قد تستحدث مهنًا جديدة وتعيد تشكيل أخرى.
ولهذا لم يعد التخطيط للمستقبل يعني رسم طريق واحد، وإنما الاستعداد لأكثر من طريق.
المرونة أصبحت جزءًا من النجاح.
*الأبناء في قلب المعادلة*
عندما يفكر المواطن الأردني في المستقبل، فإنه غالبًا لا يفكر في نفسه وحده.
هناك أبناء يريد لهم تعليمًا أفضل، وفرصًا أوسع، وحياة أكثر استقرارًا.
ولهذا أصبح السؤال عن الجامعة والتخصص والعمل أكثر من مجرد أسئلة تعليمية؛ إنها أسئلة عن مستقبل الأسرة بأكملها.
والاختيار الصحيح لا يقوم على شهرة التخصص فقط، بل على معرفة قدرات الطالب وميوله ومتطلبات سوق العمل.
*العمل يتغير*
سوق العمل لم يعد كما كان، ظهرت مهن جديدة، واتسعت فرص العمل الرقمي، وأصبح من الممكن أن يعمل الشخص مع جهات خارج الأردن من داخل منزله.
لكن هذه الفرص لا تأتي لمن ينتظرها فقط؛ إنها تحتاج إلى تعلم ومبادرة وتطوير مستمر.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل قد لا يكون في انتظار الوظيفة، بل في بناء القدرة على صناعة الفرصة.
*التكنولوجيا: تحدٍّ وفرصة*
الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة يثيران القلق لدى كثيرين، خصوصًا عندما يرتبط الحديث بهما بمستقبل الوظائف.
لكن التكنولوجيا لا تعني بالضرورة اختفاء الفرص؛ إنها تعيد توزيعها.
المهنة التي تتغير تحتاج إلى مهارات جديدة، والإنسان الذي يتعلم باستمرار يصبح أكثر قدرة على التكيف.
ولهذا فإن السؤال ليس: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟
بل:
هل سنكون مستعدين للوظائف التي سيخلقها العالم الجديد؟
*المستقبل ليس مسؤولية الشباب وحدهم*
من الخطأ أن نحمّل الشباب وحدهم مسؤولية المستقبل.
فالأسرة لها دور، والمدرسة لها دور، والجامعة لها دور، والمؤسسات لها دور، وسوق العمل له دور.
الشاب يحتاج إلى بيئة تساعده على التعلم، وإلى معلومات صحيحة، وإلى فرص حقيقية يستطيع من خلالها اختبار قدراته.
ولا يمكن أن نطلب من جيل أن يكون مستعدًا للمستقبل إذا لم نمنحه الأدوات التي يحتاج إليها.
*بين الخوف والأمل*
ربما يكون أكثر ما يميز المرحلة الحالية هو التناقض بين القلق والأمل.
هناك من يخشى الغلاء، والبطالة، والتغير التكنولوجي، وصعوبة الحياة.
وفي المقابل هناك شباب يطلقون مشاريعهم، ويتعلمون مهارات جديدة، ويعملون عن بُعد، ويبحثون عن فرص خارج الحدود التقليدية.
وهذا يعني أن الصورة ليست قاتمة كما قد تبدو أحيانًا.
هناك تحديات حقيقية، لكن هناك أيضًا قدرات حقيقية على تجاوزها.
*المستقبل الذي نريد*
المستقبل لا يأتي جاهزًا، إنه نتيجة لقرارات صغيرة تتراكم كل يوم: طالب يختار تخصصه بوعي، شاب يتعلم مهارة جديدة، أسرة تعيد ترتيب أولوياتها، مؤسسة تطور خدماتها، ومدرسة تساعد أبناءها على اكتشاف قدراتهم.
وفي النهاية، لا يحتاج المواطن الأردني إلى أن يعرف تفاصيل الغد كلها.
يكفي أن يمتلك القدرة على مواجهته، فالمستقبل لن يكون بالضرورة سهلًا، لكنه يمكن أن يكون أفضل إذا تعاملنا معه بعقل مفتوح، وتعليم متطور، ومهارات متجددة، وثقة بقدرتنا على البناء.
فالغد لا ينتظر منّا أن نعرفه؛ بل ينتظر أن نكون مستعدين له.

