الدريني يكتب ... المولد النبوي الشريف: مدرسة الأخلاق

0

 


بقلم عمر الدريني 


وكالة سباي سات الاخباري - عمان -  قد نعرف كثيرًا عن سيرة النبي محمد ﷺ، ونحفظ أسماء الغزوات والأحداث والمواقف، لكن السؤال الأهم ليس: كم نعرف من سيرته؟ بل: كم ظهر من سيرته في أخلاقنا؟


فالمعرفة وحدها لا تصنع إنسانًا أفضل ما لم تتحول إلى وعيٍ وسلوك، والسيرة النبوية لم تكن كتابًا للتاريخ نقرأه ثم نغلق صفحاته، وإنما كانت حياةً كاملة تجسدت فيها أعظم القيم الإنسانية.


لقد كان النبي ﷺ مدرسة أخلاقية متكاملة؛ فالصدق لم يكن عنده شعارًا، والأمانة لم تكن وظيفة، والرحمة لم تكن موقفًا مؤقتًا، والتواضع لم يكن ضعفًا، والعفو لم يكن عجزًا، والعدل لم يكن مرتبطًا بالمصلحة أو القرب.


كان ﷺ يعلم الناس بأخلاقه قبل كلماته، وبأفعاله قبل توجيهاته؛ ولذلك استطاعت سيرته أن تترك أثرًا عميقًا في نفوس من حوله، وأن تحول المبادئ المجردة إلى سلوك يراه الناس ويقتدون به.


وفي عالمنا اليوم، حيث كثرت الكلمات وتعددت المنصات، تبقى الأخلاق هي اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة. فما قيمة أن نتحدث عن الرحمة إذا كنا نقسو على من حولنا؟ وما قيمة أن نتحدث عن الصدق إذا كانت مصالحنا تقود كلماتنا؟ وما قيمة أن نرفع شعار الأمانة إذا كنا نتخلى عنها حين لا يراقبنا أحد؟


ولهذا فإن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف ينبغي أن يتجاوز حدود المناسبة إلى جوهر الرسالة، فحين نُحسن إلى من أساء، ونرفق بالضعيف، ونحفظ الأمانة، ونصدق في القول، ونعدل في الحكم، ونحترم الإنسان، ونغفر حين يكون العفو إصلاحًا؛ فإننا نقترب من المعاني التي جاء بها النبي ﷺ.


إن أعظم تكريم للنبي ليس أن نكثر من الحديث عنه ثم نختلف في أبسط أخلاقه، وإنما أن نجعل سيرته مرآة نراجع فيها أنفسنا، وأن تتحول محبته في قلوبنا إلى أثر واضح في تعاملنا مع أهلنا وزملائنا وجيراننا وكل من تجمعنا بهم الحياة.


فالمولد مناسبة سنوية، لكن الأخلاق النبوية ينبغي أن تكون ممارسة يومية؛ في البيت حين نربي أبناءنا، وفي المدرسة حين نعلّم طلابنا، وفي العمل حين نؤدي مسؤولياتنا، وفي المجتمع حين نتعامل مع المختلفين عنا.


ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من السيرة أن الأخلاق لا تظهر في المواقف السهلة، وإنما تُختبر عندما نملك القدرة على الرد، ثم نختار الحكمة؛ وعندما نستطيع الظلم، ثم نختار العدل؛ وعندما نملك الانتقام، ثم نختار العفو.


وهكذا يصبح المولد النبوي الشريف مناسبة لا نستعيد فيها ذكرى الميلاد فقط، بل نستعيد فيها سؤال القدوة: هل نحن أقرب إلى أخلاق النبي ﷺ مما كنا عليه بالأمس؟


فإذا كان حب المصطفى ﷺ يسكن قلوبنا، فليظهر أثره في كلماتنا ومواقفنا، وليكن الاقتداء به طريقًا نحو إنسان أكثر رحمة، ومجتمع أكثر عدلًا، وحياة أكثر طمأنينة.


يا مصطفى الأخلاقِ فيكَ رسالةٌ

تبقى على مرِّ الزمانِ منارةْ

إن كان حبُّ المصطفى في قلبِنا

فليشهدِ السلوكُ منهُ إشارةْ

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !